ملا محمد مهدي النراقي
35
جامع السعادات
وهو عليه غضبان ، ومن طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر " . ( الثالثة ) ما صورته لله ، ويمكن أن يجعل معناه من الدنيا بالقصد ، وهو ترك الشهوات ، وتحصيل العلم ، وعمل الطاعات والعبادات . فهذه الثلاث إذا لم يكن لها باعث سوى أمر الله واليوم والآخر فهي لله صورة ومعنى ، ولم تكن من الدنيا أصلا ، وإن كان الغرض منها حفظ المال والحمية والاشتهار بالزهد والورع وطلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة صار من الدنيا معنى وإن كان يظن بصورته أنه لله ومنها : حب المال وهو من شعب حب الدنيا ، إذ حب الدنيا يتناول حب كل حظ عاجل ، والمال بعض أجزاء الدنيا ، كما أن الجاه بعضها ، واتباع شهوة البطن والفرج بعضها ، وتشفي الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها ، والكبر وطلب العلو بعضها . وبالجملة : لها أبعاض كثيرة يجمعها كل ما للانسان فيه حظ عاجل ، فآفات الدنيا كثيرة الشعب والأرجاء ، واسعة الأرجاء والأكناف ، ولكن أعظم آفاتها المتعلقة بالقوة الشهوية هو ( المال ) ، إذ كل ذي روح محتاج إليه ولا غناء له عنه ، فإن فقد حصل الفقر الذي يكاد أن يكون كفرا ، وإن وجد حصل منه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا ، فهو لا يخلو من فوائد وآفات ، وفوائده من المنجيات وآفاته من المهلكات ، وتمييز خيرها وشرها من المشكلات ، إذ من فقده تحصل صفة الفقر ، ومن وجوده تحصل صفة الغناء ، وهما حالتان يحصل بهما الامتحان . ثم ( للفاقد ) حالتان : القناعة ، والحرص . وإحداهما محمودة والأخرى مذمومة . و ( للحريص ) حالتان : تشمر للحرف والصنائع مع اليأس عن الخلق ، وطمع بما في أيديهم . وإحدى الحالتين شر من الأخرى . و ( للواجد ) حالتان : إمساك ، وإنفاق . وأحدهما مذموم والآخر ممدوح . و ( للمنفق ) حالتان : إسراف ، واقتصاد . والأول مذموم والثاني ممدوح . وهذه أمور متشابهة لا بد أولا من تمييزها ، ثم الأخذ بمحمودها والترك